عندما تتحول السدود إلى خط دفاع أخير
في لحظةٍ فارقة بين السماء والأرض، وجد المغرب نفسه أمام اختبار قاسٍ فرضته تقلبات مناخية غير مسبوقة. لم تكن الأمطار هذه المرة مجرد “خيرٍ نازل”، بل سيولاً جارفة وضعت السدود الكبرى تحت ضغط يفوق طاقتها التصميمية. في هذا السياق، خرج وزير التجهيز والماء نزار بركة ليدافع عن قرار “التفريغ الاضطراري” للمياه، مؤكداً أن الخيار لم يكن ترفاً تقنياً، بل ضرورة لحماية الأرواح والبنيات التحتية من سيناريوهات كارثية.
أرقام تصدم… وسدود تتجاوز حدودها
لغة الأرقام كانت أكثر بلاغة من أي خطاب سياسي. سد “وادي المخازن”، بسعة قصوى تبلغ 672 مليون متر مكعب، استقبل تدفقات وصلت إلى مليار و462 مليون متر مكعب. بمعنى آخر، حتى لو أُفرغ السد بالكامل مرتين، لما استوعب هذه الكميات.
المشهد ذاته تكرر في حوض اللوكوس، حيث تدفق أكثر من مليار متر مكعب خلال 15 يوماً فقط، لترتفع نسب الملء إلى 166 في المائة من المعدلات المعتادة. هنا لم يعد فتح بوابات التصريف خياراً، بل صمام أمان لتفادي انهيار منشآت أو غرق مناطق بكاملها.
“الوحدة” تحت الضغط… والقرار بين الفيضان والانهيار
سد “الوحدة”، أحد أعمدة المنظومة المائية الوطنية، بدوره واجه ضغطاً استثنائياً بتدفقات بلغت 3.48 مليار متر مكعب، بينها 1.4 مليار في أسبوع واحد.
السلطات رفعت معدل التصريف تدريجياً ليصل إلى 2200 متر مكعب في الثانية في ذروة الأزمة، قبل أن تبدأ في تقليصه مع تحسن الأحوال الجوية. قرار محسوب بدقة، لكنه يعكس هشاشة التوازن بين حماية الساكنة وضمان سلامة المنشآت.
طرق مقطوعة… وسباق مع العزلة
لم تقتصر آثار الفيضانات على السدود. 168 مقطعاً طرقياً تضررت من طنجة إلى سوس ماسة، في مشهد أعاد إلى الواجهة سؤال جاهزية البنية التحتية أمام التطرف المناخي.
الفرق التقنية أعادت فتح 124 طريقاً، فيما لا يزال العمل متواصلاً لإعادة ربط 44 مقطعاً آخر، خصوصاً في المناطق القروية والجبلية حيث تتحول الانهيارات الصخرية وانجراف التربة إلى تهديد يومي لعزلة السكان.
درس قاسٍ في زمن “التطرف المناخي”
الأزمة لم تكن مجرد حادث عابر، بل جرس إنذار. المغرب، كما قال الوزير، مطالب اليوم بإعادة التفكير في معايير بناء الطرق وتدبير السدود، في ظل واقع مناخي متقلب يتأرجح بين جفاف حاد وفيضانات جارفة.
الرهان لم يعد فقط على تخزين المياه، بل على إدارة المخاطر في زمن اللايقين: تحديث خرائط المخاطر، تطوير نماذج تنبؤ رقمية دقيقة، وبناء بنية تحتية قادرة على الصمود أمام أقسى السيناريوهات.
