سباق مع الزمن تحت قبة البرلمان
في لحظة تشريعية حاسمة، يرفع المحاسبون المهنيون خارج لوائح الاعتماد صوتهم عالياً داخل الفضاء العمومي، مطالبين مجلس النواب بتسريع برمجة مقترحات تعديل القانون رقم 127.12 والمتمم بالقانون 53.19، قبل أن يسدل الستار على الولاية التشريعية الحالية. بالنسبة لهم، الأمر لا يتعلق فقط بنص قانوني، بل
بمصير مهنيين راكموا سنوات من العمل الميداني ويجدون أنفسهم اليوم على هامش التنظيم الجديد للمهنة.
مهنة بين التنظيم والإقصاء
في لقاء احتضنته مدينة الدار البيضاء، شدد المتدخلون على أن تنظيم مهنة المحاسبة ضرورة لا جدال فيها، لما يحمله من رهانات مرتبطة بالشفافية وحماية الاقتصاد الوطني. غير أن الإشكال، بحسبهم، يكمن في الكيفية التي جرى بها تنزيل القانونين 127.12 و53.19، والتي أفضت – وفق تعبيرهم – إلى إقصاء فئة واسعة من المحاسبين المهنيين المسجلين بالضريبة المهنية، والذين ظلوا لسنوات يواكبون المقاولات الصغرى والصغيرة جداً تحت رقابة الإدارة.
يوسف كروم، أحد المتحدثين باسم هذه الفئة، اعتبر أن لجنة المالية والتنمية الاقتصادية تتوفر فعلاً على مقترحات تعديل تقدمت بها فرق برلمانية مختلفة، وكلها تسعى إلى معالجة وضعية مهنيين يمارسون نشاطهم بشكل قانوني قبل صدور القوانين الحالية. غير أن عدم إدراج هذه المقترحات في جدول الأعمال قبل نهاية الولاية، يعني – بلغة السياسة – إعادة عقارب الساعة إلى الصفر.
هاجس “الفراغ التشريعي” والعودة إلى نقطة البداية
القلق الذي يسكن المهنيين لا ينبع فقط من واقعهم الحالي، بل من احتمال تجميد الملف بالكامل في حال انتهاء الولاية دون حسمه. ففي حال تشكيل حكومة وبرلمان جديدين، قد يُعاد فتح النقاش من نقطة البداية، ما يطيل أمد الضبابية القانونية ويُعمّق الاحتقان داخل القطاع.
المحاسبون يعتبرون أن مئات المكاتب مهددة بالإغلاق، وأن حالة اللايقين هذه تضرب مبدأ “الثقة المشروعة” الذي يُفترض أن يحكم العلاقة بين الدولة والمهنيين. لذلك يدعون إلى مقاربة منصفة تُراعي الواقع الميداني، بدل الاقتصار على تأويلات ضيقة للنصوص القانونية.
مطلب المرحلة الانتقالية: جسر نحو الإنصاف
أبرز ما خرج به اللقاء هو الدعوة إلى إقرار فترة انتقالية قانونية واضحة، تسمح بإدماج المهنيين الذين راكموا تجربة فعلية في الميدان، وتسوية وضعيتهم في إطار منظم يحفظ استقرارهم المهني ويحمي الاستثمار الذي وضعوه في مكاتبهم ومساراتهم.
كما شدد المشاركون على ضرورة احترام روح المادة الأولى من القانون 127.12، التي تعترف بتعدد الأنشطة المثبتة لممارسة مهنة المحاسبة، وعدم تضييق نطاقها بتأويلات قد تحرم شريحة واسعة من الاستفادة من مسار التقنين.
بين الدولة والمهنيين: شراكة أم قطيعة؟
في خلفية هذا النقاش، يتجلى سؤال أعمق: هل تسير الدولة نحو تنظيم تشاركي للمهن، أم نحو نماذج مغلقة تعيد تشكيل الحقل المهني وفق شروط صارمة قد لا تستوعب التحولات السابقة؟
المحاسبون خارج لوائح الاعتماد يؤكدون أنهم ليسوا في موقع مواجهة مع المؤسسات، بل يعتبرون أنفسهم شركاء في الرقي بالمهنة وتأطيرها. غير أنهم يرفضون أن يتحول التنظيم إلى أداة إقصاء، أو أن يُختزل الإصلاح في نصوص قد تُغفل واقع الممارسة اليومية.
مع اقتراب نهاية الولاية التشريعية، يبدو أن الكرة في ملعب البرلمان. فإما تسوية عادلة تُنهي سنوات من التوتر، أو تأجيل قد يفتح الباب أمام جولة جديدة من الجدل المهني والسياسي، في قطاع يرتبط مباشرة بصحة الاقتصاد الوطني واستقراره.
