كاسبريس: نبيل أخلال
فيضانات الحسيمة… القرى الجبلية في مواجهة الغرق
في إقليم الحسيمة، حيث اعتادت الجبال أن تحمي القرى الصغيرة من رياح الشتاء، باغتت السيول هذه المرة السكان بلا إنذار كافٍ. فيضانات الأيام الماضية لم تكن مجرد حدث مناخي عابر، بل اختباراً قاسياً لقدرة الأسر القروية الهشة على الصمود أمام الطبيعة حين تفقد توازنها. بيوت متضررة، مؤن أتلفتها المياه، وقلق ثقيل خيّم على دواوير اعتادت العيش على هامش الخدمات.
وسط هذا المشهد، لم تنتظر بعض مكونات المجتمع المدني طويلاً.
قافلة إلى بني أحمد أمكزن… عندما يتحول الغضب إلى فعل
يوم الأحد 15 فبراير 2026، اتجهت قافلة تضامنية إلى جماعة بني أحمد أمكزن، في مبادرة إنسانية سعت إلى ترميم ما يمكن ترميمه من آثار الصدمة. لم يكن الهدف مجرد توزيع مساعدات، بل إرسال رسالة واضحة: القرى ليست وحدها.
استهدفت المبادرة دواوير تيغزة، إمعاشرن، تافسوت، وإيرفجي، حيث جرى تحديد الأسر المستفيدة وفق معايير اجتماعية تراعي حجم الأضرار ومستوى الهشاشة. هذه المقاربة لم تكن اعتباطية؛ بل محاولة لضمان عدالة في التوزيع داخل سياق يتسم بندرة الموارد وارتفاع الحاجيات.
140 قفة… وأكثر من ذلك بكثير
القافلة وزعت 140 قفة من المواد الغذائية الأساسية، إلى جانب ملابس شتوية وأغطية لمواجهة البرد القارس. لكن القيمة الحقيقية للمبادرة لم تُقاس فقط بعدد القفف، بل بالرمزية التي حملتها. في القرى المتضررة، تصبح المساعدة اعترافاً بالألم، وإقراراً بأن الخسارة ليست قدراً فردياً بل مسؤولية جماعية.
الشعارات المرفوعة — “التضامن فعل قبل أن يكون شعاراً” و“معاً نخفف الألم ونصنع الأمل” — لم تكن مجرد عبارات للاستهلاك الإعلامي، بل تلخيصاً لروح تحاول أن تعيد بناء الثقة بين المجتمع وأفراده في لحظة هشاشة.
المجتمع المدني في اختبار إدارة الأزمات
المبادرة عرفت مشاركة جمعيات مدنية من إمزورن والحسيمة، إلى جانب جمعية من أجدير، في تنسيق يعكس إدراكاً متزايداً بأن إدارة الأزمات لم تعد حكراً على المؤسسات الرسمية وحدها. التنسيق الميداني المحكم، والتعاون مع السلطات المحلية، مكّنا من إيصال المساعدات في ظروف منظمة، بعيداً عن الفوضى أو الارتجال.
الدعم الذي قدمته السلطات المحلية، بما في ذلك قائد بني أحمد أمكزن، وعناصر الوقاية المدنية والدرك الملكي والقوات المساعدة، لعب دوراً محورياً في تأمين العملية وضمان انسيابيتها. في لحظات الكوارث، يصبح التعاون بين الدولة والمجتمع المدني ضرورة عملية، لا ترفاً مؤسساتياً.
ما بعد القافلة… سؤال الاستدامة
لكن خلف صور التوزيع والتصفيق، يظل سؤال أكبر معلقاً: ماذا بعد؟
الفيضانات لم تكن حادثاً معزولاً، بل جزءاً من سياق مناخي متقلب يفرض إعادة التفكير في البنيات التحتية القروية، وفي خطط الوقاية والاستجابة السريعة. القوافل تسد فجوة آنية، لكنها لا تعوّض غياب سياسات استباقية قادرة على تقليل الخسائر قبل وقوعها.في الحسيمة، كما في مناطق أخرى، كشفت السيول هشاشة جغرافية واجتماعية تحتاج إلى معالجة عميقة. غير أن ما كشفت عنه أيضاً هو قدرة المجتمع على التحرك حين تتعثر الأرض تحت الأقدام.
في نهاية المطاف، قد لا تمحو 140 قفة آثار الفيضانات، لكنها تذكّر بأن الكارثة، مهما كانت قاسية، لا تستطيع أن تجرف قيمة التضامن حين يتحول من شعار إلى فعل.


