كاسبريس: نبيل أخلال
الحسيمة.. حين يلفظ البحر أسرار الهجرة السرية
في صباح بارد من يوم الاثنين 16 فبراير، لفظت أمواج البحر الأبيض المتوسط جثة شخص مجهول الهوية إلى شاطئ صاباديا بمدينة الحسيمة. لم يكن المشهد مجرد حادث عرضي؛ بل فصل جديد من حكاية طويلة يكتبها البحر بملح الفقدان. الجثة، التي وُجدت في حالة متقدمة من التحلل، ترجّح المعطيات الأولية أنها ظلت لأيام عالقة في المياه قبل أن تدفعها التيارات نحو اليابسة، حاملة معها أسئلة أكثر مما تحمل إجابات.
شاطئ يتحول إلى مسرح صامت للمآسي
المسالك البحرية قبالة سواحل الريف ليست مجرد خرائط على الورق، بل ممرات محفوفة بالمخاطر، تتقاطع فيها أحلام العبور مع قسوة الطبيعة. الوجهة الأكثر تداولاً في مثل هذه المحاولات تظل مدينة سبتة، التي تختصر في المخيال الجماعي فكرة “الضفة الأخرى”. غير أن الطريق إليها يمر عبر تيارات بحرية متقلبة وأحوال جوية سريعة الانقلاب، ما يجعل هذه السواحل مسرحاً متكرراً لحوادث غرق مأساوية.
المشهد يتكرر: قارب مطاطي، ليل كثيف، أمل أكبر من سعة المركب، وبحر لا يعترف بالنوايا.
استنفار رسمي.. وبحث عن هوية مفقودة
فور الإخطار، انتقلت عناصر الأمن الوطني والوقاية المدنية إلى عين المكان، وتم تطويق محيط الشاطئ وفتح بحث قضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة. الهدف المعلن واضح: تحديد هوية الضحية والكشف عن ظروف وملابسات الوفاة. لكن خلف الإجراءات التقنية، يقف سؤال إنساني مؤلم: من كان هذا الشخص؟ وأين عائلته الآن؟
تم نقل الجثمان إلى مستودع الأموات بالمستشفى الإقليمي محمد السادس بأجدير لإخضاعه للتشريح الطبي، تنفيذاً لتعليمات النيابة العامة، في محاولة لتحديد السبب الدقيق للوفاة والتحقق من الفرضيات المطروحة.
الهجرة غير النظامية.. حين يتحول البحر إلى حدود قاتلة
الحادثة ليست معزولة عن سياق أوسع. فالهجرة غير النظامية عبر المتوسط لم تعد مجرد أرقام في تقارير دولية، بل قصص أفراد يدفعهم انسداد الأفق الاقتصادي والاجتماعي إلى مجازفة قصوى. في هذا المعبر البحري، تتقاطع سياسات الحدود الأوروبية مع هشاشة الأوضاع في الضفة الجنوبية، ليصبح البحر نفسه خط تماس بين عالمين غير متكافئين.
كل جثة مجهولة الهوية هي فشل جماعي: فشل في توفير بدائل آمنة، وفشل في بناء مسارات قانونية للهجرة، وفشل في حماية أرواح تبحث عن فرصة ثانية.
ما بعد الجثة.. ذاكرة جماعية مثقلة بالفقد
تعيد واقعة الحسيمة إلى الواجهة سؤال الكلفة الإنسانية للهجرة السرية. فبين موجة وأخرى، يطفو جسد، ويُفتح تحقيق، ثم يُطوى الملف في انتظار حادثة جديدة. غير أن البحر لا ينسى، والسواحل الشمالية للمغرب تحتفظ بذاكرة مثقلة بأسماء لم تُعرف، وأحلام لم تكتمل.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بجثة مجهولة فقط، بل بقصة إنسان حاول عبور المسافة بين اليأس والأمل… فابتلعه البحر قبل أن يبلغ الضفة الأخرى.
