حين يتحول المطر إلى اختبار للاقتصاد الفلاحي
مع انحسار موجة التساقطات الاستثنائية التي ضربت مدن الشمال والغرب، لم تنحسر الأسئلة. ما خلّفته السيول في الحقول لا يقل خطورة عمّا خلّفته في الطرقات والمنازل. في سهلَي الغرب واللوكوس، حيث تُزرع واحدة من أهم سلاسل الإنتاج الفلاحي في البلاد، تتكشف تباعاً كلفة موسم كاد أن يُغرقه فائض السماء.
المشهد ليس مجرد أضرار موسمية عابرة، بل أزمة تضرب عمق دورة اقتصادية يعيش عليها آلاف المنتجين والعمال الزراعيين.
الحوامض في قلب العاصفة
الفدرالية بين المهنية المغربية للحوامض دقّت ناقوس الخطر. فالمعطيات الأولية تشير إلى خسائر جسيمة تكبدها المنتجون بعد تساقط كميات كبيرة من الفواكه، خاصة أصناف البرتقال، بفعل الرياح القوية وارتفاع منسوب الأودية. ما كان يُفترض أن يتحول إلى صادرات وأسواق، انتهى متساقطاً على الأرض.
في مناطق الغرب واللوكوس، تمثل أشجار الحوامض عماد الاقتصاد المحلي. لكن غمر المياه لما يقارب ثلث المساحات المغروسة يضع الأشجار أمام خطر اختناق الجذور وتعفنها إذا استمر ركود المياه، ما يعني أن الخسارة قد لا تقتصر على موسم واحد، بل قد تمتد إلى المواسم المقبلة.
خسارة مزدوجة.. الإنتاج والمدخلات
الأزمة لا تقف عند حدود الفواكه المتساقطة. فقد أبلغ مهنيون عن ضياع مخزون من الأسمدة ومدخلات فلاحية ومعدات، وهو ما يعقّد قدرة الاستغلاليات على استئناف النشاط في ظروف طبيعية. هنا تتضاعف الضربة: خسارة في المنتوج، وخسارة في أدوات إنتاجه.
هذا الواقع يضع آلاف الفلاحين أمام معادلة قاسية: كيف يمكن إنقاذ ما تبقى من الموسم في ظل موارد مستنزفة وسيولة مالية مهددة؟
بين الاستعجال والتدبير الهيكلي
أمام جسامة الأضرار، طالبت الفدرالية بتدخل عاجل للسلطات العمومية لتفعيل تدابير استعجالية مواكِبة، تُمكّن المنتجين من الحد من آثار الكارثة وضمان استمرارية النشاط. غير أن التحدي لا يقتصر على ضخ دعم مالي فوري، بل يطرح سؤالاً أعمق حول قدرة البنية التحتية الفلاحية على الصمود أمام تقلبات مناخية باتت أكثر حدّة وتواتراً.
في هذا السياق، جاءت التوجيهات الملكية من قبل محمد السادس للحكومة بإطلاق برنامج واسع للمساعدة والدعم، عقب الاضطرابات الجوية التي شهدتها المملكة خلال الشهرين الماضيين، خاصة في سهلَي الغرب واللوكوس.
ثلاثة ملايير درهم.. أرقام تحت المجهر
الحكومة رصدت ميزانية تقديرية تبلغ ثلاثة ملايير درهم لتنفيذ البرنامج، موزعة بين:
- 1.7 مليار درهم لإعادة تأهيل الطرق والشبكات الهيدروفلاحية وقنوات الماء والكهرباء؛
- 775 مليون درهم لإعادة الإعمار وتعويض فقدان الدخل؛
- 300 مليون درهم مساعدات مباشرة للفلاحين ومربي الماشية لإنقاذ الموسم؛
- 225 مليون درهم مساعدات عينية وتدخلات فورية لتلبية الحاجيات الأساسية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يكفي هذا الغلاف المالي لترميم الأضرار الآنية وبناء مناعة مستقبلية للقطاع؟
الحوامض كمرآة لهشاشة أوسع
سلسلة الحوامض ليست مجرد نشاط زراعي؛ إنها رافعة تصديرية ومورد شغل رئيسي في المناطق المتضررة. أي تعثر طويل الأمد فيها ينعكس على ميزان الصادرات، وعلى الدورة الاقتصادية المحلية، وعلى الاستقرار الاجتماعي.
الأزمة الحالية تكشف هشاشة مزدوجة: هشاشة مناخية تتفاقم بفعل التغيرات المناخية، وهشاشة بنيوية تستدعي تحديثاً أعمق لآليات التأمين الفلاحي، وتطوير أنظمة صرف المياه، وتعزيز أدوات التدبير الاستباقي.
ما بعد الفيضانات.. فرصة لإعادة التفكير
ما حدث في الغرب واللوكوس ليس مجرد كارثة طبيعية عابرة، بل إنذار استراتيجي. فإما أن يتحول الدعم الاستعجالي إلى مدخل لإصلاحات هيكلية تعزز صمود القطاع، أو يبقى مجرد مسكن مالي أمام أزمات مرشحة للتكرار.
بين سماء غاضبة وأرض مثقلة بالمياه، يقف الفلاح المغربي اليوم أمام رهان مزدوج: إنقاذ موسم، واستعادة ثقة في قدرة الأرض — والدولة — على حمايته حين تنقلب الطبيعة.
