الجزائر تُشرّع تجريم الاستعمار… وتُشعل الجدل
صادق مجلس الأمة الجزائري بشكل نهائي على مشروع قانون “تجريم الاستعمار”، في خطوة تشريعية وُصفت بأنها من بين الأكثر إثارة للجدل في السنوات الأخيرة، نظراً لحساسيتها السياسية وتأثيرها المباشر على العلاقات الجزائرية-الفرنسية.
وجاءت هذه المصادقة بعد نقاشات مطولة داخل البرلمان بغرفتيه، استمرت لأكثر من أربعة أشهر، وشهدت تجاذبات سياسية حادة عكست عمق التوتر بين الجزائر وفرنسا.
تعديلات اللحظات الأخيرة تفتح باب التأويل
أبرز ما ميّز هذا القانون هو التعديلات الجوهرية التي طالت بعض مواده في اللحظات الأخيرة، خاصة حذف عبارة “الاعتذار عن جرائم الاستعمار” من المادة التاسعة.
ويرى مراقبون أن هذا التعديل يحمل رسائل سياسية مزدوجة؛ إذ يُبقي على توصيف الاستعمار كـ”جريمة دولة”، مع ترك هامش دبلوماسي يسمح باستمرار قنوات الحوار مع الجانب الفرنسي، دون تصعيد مباشر.
قانون صارم يجرّم الانتهاكات دون تقادم
القانون الجديد لا يكتفي بالتوصيف الرمزي، بل يتضمن مقتضيات زجرية واضحة، حيث يجرّم أفعالاً محددة مثل الاغتصاب والاستعباد الجنسي خلال فترة الاستعمار، مع التأكيد على أنها جرائم لا تسقط بالتقادم.
كما أعاد النص صياغة مفهوم “التعاون مع الاستعمار”، في محاولة لفرض قراءة قانونية حديثة وأكثر صرامة لتلك المرحلة التاريخية.
توقيت حساس ورسائل سياسية متعددة
تأتي هذه الخطوة في سياق سياسي دقيق، بالتزامن مع استعداد الجزائر لاستحقاقات انتخابية مهمة، ما يعزز فرضية توظيف ملف “الذاكرة الاستعمارية” كورقة ضغط سياسية ودبلوماسية.
ويرى متابعون أن هذا القانون يعكس أيضاً ردّاً ضمنياً على ما تعتبره الجزائر “استفزازات فرنسية” متكررة، في ظل علاقات متقلبة بين البلدين.
بين التصعيد والتهدئة… أي مستقبل للعلاقات الجزائرية-الفرنسية؟
يضع هذا التطور العلاقات بين الجزائر وفرنسا أمام مفترق طرق جديد؛ فبينما يحمل القانون طابعاً سيادياً صارماً، فإنه في الوقت ذاته يترك مساحة للمناورة الدبلوماسية.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يمهّد هذا التشريع لمرحلة تهدئة، أم يشكل بداية فصل جديد من التوتر بين البلدين؟
