فتحت مصالح الجمارك المغربية تحقيقات ميدانية واسعة حول شبكات استيراد مشبوهة يشتبه في اعتمادها على شركات صورية ومستوردين وهميين لتنفيذ معاملات تجارية بمليارات السنتيمات،
في قضية جديدة تعيد إلى الواجهة ملف الشركات الوهمية واستغلالها في أنشطة تجارية تثير الكثير من علامات الاستفهام حول مصادر الأموال والجهات المستفيدة من هذه العمليات.
الشركات الوهمية تحت مجهر الجمارك
وكشفت معطيات متطابقة أن التحقيقات الأولية التي باشرتها مصالح الجمارك أظهرت وجود عدد من الشركات المسجلة قانونياً بأسماء أشخاص لا تربطهم أي علاقة فعلية بالنشاط التجاري المعلن عنه. وتبين أن هؤلاء الأشخاص جرى تقديمهم كمسيرين أو مساهمين بشكل صوري، بينما تتولى أطراف أخرى إدارة العمليات التجارية والتحكم في الأرباح والعائدات المالية.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن هذه الممارسات اعتمدت على إنشاء الشركات الوهمية تُستخدم كواجهة قانونية لإجراء عمليات استيراد واسعة النطاق، خصوصاً في قطاعات تعرف حركة تجارية مهمة داخل السوق الوطنية.
استغلال الهشاشة الاجتماعية
ووفق المصادر ذاتها، فإن بعض الشبكات المتورطة عمدت إلى استغلال أوضاع اجتماعية صعبة يعيشها عدد من المواطنين، خاصة الأشخاص الذين يواجهون مشاكل مالية أو بنكية، حيث تم إقناعهم أو استغلال بياناتهم لتأسيس شركات تحمل أسماءهم دون أن يكون لهم أي دور حقيقي في التسيير أو اتخاذ القرار.
ويطرح هذا المعطى تساؤلات جدية حول مدى تورط جهات منظمة في استغلال الفئات الهشة من أجل إنشاء الشركات الوهمية يصعب تتبع المستفيدين الحقيقيين منها، وهو ما يشكل تحدياً إضافياً أمام أجهزة المراقبة المالية والجمركية.
الصين في قلب المعاملات
وتفيد المعلومات المتوفرة بأن جزءاً مهماً من عمليات الاستيراد موضوع التحقيق يرتبط بالسوق الصينية، التي تعد من أبرز الشركاء التجاريين للمغرب في عدد من القطاعات الصناعية والاستهلاكية.
وشملت العمليات المشبوهة استيراد منتجات متنوعة، من بينها النسيج والألبسة والتجهيزات الكهربائية والأكسسوارات المنزلية، وهي قطاعات تعرف حجم معاملات مرتفعاً داخل السوق المغربية.
ويرجح أن تكون قيمة بعض العمليات التجارية المنجزة عبر هذه الشركات الوهمية قد بلغت مليارات السنتيمات، ما يفسر حجم الاهتمام الذي توليه مصالح الجمارك لهذا الملف.
معركة ضد الغش التجاري
وتندرج هذه التحريات ضمن استراتيجية أوسع تعتمدها إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة من أجل تعزيز مراقبة التجارة الخارجية ومحاربة الشركات الوهمية ومختلف أشكال الغش والتهرب التجاري والضريبي.
كما تسعى السلطات المختصة إلى ضمان شفافية أكبر في عمليات الاستيراد والتصدير، وحماية المنافسة الشريفة بين الفاعلين الاقتصاديين، خاصة في ظل التطور المتسارع لحجم المبادلات التجارية الدولية.
ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن الكشف عن مثل هذه الشبكات يمثل خطوة مهمة نحو تجفيف منابع الاقتصاد غير المهيكل والحد من الممارسات التي قد تضر بخزينة الدولة وبالمقاولات الملتزمة بالقوانين الجاري بها العمل.
مخاطر على الاقتصاد الوطني
ويرى خبراء اقتصاديون أن انتشار الشركات الوهمية يشكل تهديداً حقيقياً لمناخ الأعمال، لأنه يفتح المجال أمام ممارسات غير قانونية قد تضر بالمنافسة الشريفة وتؤثر على مداخيل الدولة من الضرائب والرسوم الجمركية. كما أن هذه الممارسات تضعف ثقة المستثمرين في شفافية المعاملات التجارية.
رقابة أكثر صرامة
وتعمل مصالح الجمارك خلال السنوات الأخيرة على تطوير آليات المراقبة الرقمية وتتبع عمليات الاستيراد والتصدير بشكل أكثر دقة، بهدف كشف أي تجاوزات محتملة وضمان احترام القوانين المنظمة للتجارة الخارجية، خصوصاً في القطاعات التي تعرف حجماً كبيراً من المبادلات التجارية.
يقظة متواصلة
وتؤكد هذه التحقيقات أن السلطات المغربية تواصل تعزيز آليات المراقبة والتتبع لحماية الاقتصاد الوطني، وضمان شفافية المبادلات التجارية، والتصدي لكل الممارسات التي قد تستغل الشركات الوهمية لتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب القانون والمنافسة الشريفة.
مسؤوليات تنتظر الحسم
وفي انتظار استكمال مختلف مراحل التحقيق، تواصل مصالح الجمارك عمليات التدقيق وجمع المعطيات المرتبطة بالملف الشركات الوهمية، بهدف تحديد الامتدادات المحتملة لهذه الشبكات وكشف المستفيدين الحقيقيين من الأنشطة المشبوهة.
ومن المنتظر أن تسفر التحقيقات الجارية عن تحديد المسؤوليات القانونية وترتيب الآثار القضائية اللازمة في حق كل من يثبت تورطه في استعمال الشركات الوهمية أو المشاركة في أي ممارسات تمس بقواعد التجارة القانونية والشفافة.
وتؤكد هذه القضية أن مراقبة التجارة الخارجية أصبحت اليوم رهاناً استراتيجياً لحماية الاقتصاد الوطني من الشركات الوهمية وضمان نزاهة المعاملات التجارية في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد العالمي.
