أرقام قياسية تهزّ خريطة الماء في المغرب
في مشهد مائي غير مسبوق منذ سنوات الجفاف القاسية، كشف وزير التجهيز والماء نزار بركة عن حصيلة تُشبه الصدمة الإيجابية: 12,17 مليار متر مكعب من الواردات المائية إلى السدود منذ فاتح شتنبر 2025. رقم يتجاوز المتوسط التاريخي بـ 134% — ليس مجرد تحسن، بل انعطافة هيدرولوجية حادة قلبت المعادلة الوطنية للماء.
لكن خلف هذا “الخبر السار”، تبرز أسئلة ثقيلة: هل نحن أمام نعمة مُدارة بذكاء… أم فيض غير مُتحكم فيه يكشف ثغرات عميقة في منظومة الحماية؟
مطر استثنائي… في زمن استثنائي
منذ 12 دجنبر فقط، تدفّق نحو 11,74 مليار متر مكعب — أي ما يعادل تقريبًا كل ما تم تسجيله خلال الفترة المذكورة. وفي شهر واحد، ابتداءً من 11 يناير، تدفّق 8,82 مليار متر مكعب، وهو رقم يفوق حصيلة سنوات مائية كاملة في بعض المراحل السابقة.
الطبيعة لم تعد تتحرك بإيقاع مألوف. نحن أمام مناخ متطرف: سنوات جفاف خانق تتبعها موجات مطرية عاتية، وكأن البلاد تنتقل من العطش إلى الغرق دون منطقة أمان بينهما.
السدود تمتلئ… لكن الخطر لا يختفي
نسبة ملء السدود قفزت من 31,1% في دجنبر إلى 69,35% في فبراير، بمخزون بلغ 11,62 مليار متر مكعب — أفضل مستوى منذ 2018.
31 سداً تجاوزت نسبة الملء فيها 80%، فيما بلغت بعض السدود حدّ الامتلاء الكامل.السلطات لجأت إلى إفراغ استباقي ضخم بلغ 4,27 مليار متر مكعب لتفادي كارثة محتملة. لكن المفارقة المؤلمة أن هذا الإجراء الوقائي تزامن مع تدفقات طبيعية من الروافد، ما أدى إلى تجاوز قدرة الأودية وحدوث فيضانات، خصوصًا في الغرب واللوكوس.
بمعنى آخر: الإجراء الذي يحمي السدود قد يُغرق الأراضي المنخفضة. إنها معادلة صعبة بين حماية المنشآت وإنقاذ السكان.
الأحواض المائية… تفاوت في الوفرة والضغط
حوض سبو سجّل أكثر من 5 مليارات متر مكعب بنسبة ملء قاربت 92%، بينما بلغ حوض اللوكوس نحو 93%. هذه أرقام تُطمئن على المدى المتوسط، لكنها ترفع أيضًا منسوب القلق: كلما زادت المياه، زادت مسؤولية التدبير.
المشكلة لم تعد نقص الماء فقط، بل كيفية إدارة الوفرة المفاجئة في ظل بنية تحتية صُممت غالبًا لمناخ أقل تقلبًا.
الفيضانات: حين تتحول النعمة إلى إنذار
تجاوز قدرة الأودية على تصريف المياه أدى إلى فيضانات في مناطق منخفضة. المشهد الإنساني هنا لا يُختزل في أرقام:
منازل مغمورة، طرق مقطوعة، أسر تعيد ترتيب حياتها على وقع الطين والخسائر.هذا ليس فشلًا تقنيًا فقط، بل امتحان حقيقي للجاهزية الترابية، من تخطيط عمراني إلى أنظمة إنذار مبكر، مرورًا بثقافة المخاطر لدى السكان.
2030 في الأفق: هل نتعلم قبل الكارثة التالية؟
الوزارة تعلن اقتراب استكمال الاستراتيجية الوطنية المندمجة لتدبير الكوارث، إضافة إلى مشروع مركز وطني للتنبؤ بالحمولات ونظام يقظة خاص. خطوة ضرورية، لكن الزمن المناخي أسرع من وتيرة الإصلاح الإداري.
السؤال الحاسم ليس: هل ستمطر؟
بل: هل نحن مستعدون حين تمطر أكثر مما ينبغي؟
الخلاصة: من أزمة العطش إلى إدارة الصدمات
المغرب يعيش تحوّلًا من “ندرة الماء” إلى عصر الصدمات المائية: فترات جفاف طويلة يعقبها فيض هائل في وقت قصير. التحدي لم يعد تخزين الماء فقط، بل حماية البشر في زمن التطرّف المناخي.
الأمطار أنقذت المخزون… لكنها كشفت أيضًا أن المعركة الحقيقية ليست ضد الجفاف وحده، بل ضد الهشاشة أمام الفيض.
