فيضانات المغرب… اختبار ثقة بين الدولة والمواطن
في القرى التي ابتلعتها السيول، وفي الأحياء التي تحولت طرقها إلى مجارٍ موحلة، لم تكن الفيضانات مجرد حدث مناخي عابر. كانت لحظة مواجهة مباشرة بين المواطن الهش والطبيعة الغاضبة. واليوم، تعلن الحكومة عن برنامج استثنائي لدعم المتضررين، تنفيذًا للتعليمات الملكية السامية، في محاولة لإعادة ترميم ما كسرته المياه… وما كسرته الهشاشة أيضًا.
البلاغ الصادر عن رئاسة الحكومة لا يكتفي بسرد أرقام؛ بل يضع الدولة أمام امتحان الثقة: هل تصل المساعدات بسرعة؟ وهل تنجح الآليات في مداواة الجرح قبل أن يتحول إلى غضب اجتماعي مكتوم؟
أرقام على الورق… وبيوت تحت الركام
بحسب المعطيات الرسمية، تم اعتماد ثلاث مستويات للدعم:
- 6.000 درهم كمساعدة استعجالية لكل أسرة متضررة
- 15.000 درهم لإعادة تأهيل المساكن والمحلات التجارية الصغيرة
- 140.000 درهم لإعادة بناء المنازل المنهارة كليًا
لكن خلف هذه الأرقام، تقف حكايات ثقيلة: أسر فقدت سقفها، تجار صغار خسروا رأس مالهم الوحيد، وأطفال عادوا إلى مدارس محاطة بالطين بدل الأرصفة.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تكفي هذه المبالغ لإعادة بناء حياة، أم أنها مجرد خطوة أولى في مسار أطول لإعادة الاعتبار لمناطق طالها التهميش قبل أن تطالها الأمطار؟
رسالة إلى 1212… حين تختزل المأساة في SMS
آلية الاستفادة من الدعم الاستعجالي تبدو بسيطة في ظاهرها: إرسال رسالة نصية إلى الرقم 1212 تتضمن رقم البطاقة الوطنية وتاريخ الازدياد، ثم انتظار دراسة الطلب.
غير أن البساطة الرقمية تصطدم بواقع اجتماعي معقد: ماذا عن القرى التي لا تغطيها الشبكة بشكل جيد؟ ماذا عن كبار السن الذين لا يتقنون استعمال الهواتف الذكية؟ وهل تملك كل الأسر الوثائق المطلوبة بعد أن جرف الماء ما جرف؟
الرهان هنا ليس تقنيًا فقط، بل إنساني بالدرجة الأولى.
لجان ميدانية… بين الشفافية واختبار النزاهة
الحكومة أعلنت عن تعبئة لجان محلية مختصة لإجراء إحصاء ميداني دقيق بالمناطق المنكوبة، مع فتح المجال أمام المتضررين لتقديم ملتمساتهم.
هذه الخطوة تحمل وعدًا بالشفافية والإنصاف، لكنها في الوقت نفسه تضع الإدارة الترابية أمام مسؤولية ثقيلة: فكل خطأ في التقييم، وكل تأخر في المعالجة، قد يتحول إلى شعور بالغبن يضاعف من آثار الكارثة.
الكارثة الطبيعية قد تكون قد انتهت، لكن الكارثة الإدارية — إن حدثت — ستكون أشد قسوة.
الفلاح في قلب العاصفة: إنقاذ الموسم قبل فوات الأوان
الفيضانات لم تضرب البيوت فقط، بل أصابت الحقول في عمقها. لذلك يشمل البرنامج دعم الزراعات الربيعية، خصوصًا الزيتية والقطاني والزراعات الكلئية، إضافة إلى مواصلة دعم الكسابة المتضررين.
في مناطق يعيش اقتصادها على إيقاع الأرض، يعني إنقاذ الموسم الفلاحي إنقاذ دورة حياة كاملة: من البذرة إلى السوق، ومن الحقل إلى المائدة.
ما بعد الدعم: هل نتعلم من الكارثة؟
هذا البرنامج الاستثنائي ليس مجرد تعويض مالي؛ إنه لحظة مراجعة شاملة لسياسات التهيئة، وشبكات تصريف المياه، وخطط التدخل الاستباقي في مواجهة تغير مناخي لم يعد استثناءً.
الفيضانات كشفت هشاشة البنية في بعض المناطق، لكنها كشفت أيضًا عن إمكانية التحرك السريع حين تتوفر الإرادة السياسية.
بين الماء الذي جرف كل شيء، والدعم الذي وُعد بإعادة البناء، يبقى الرهان الأكبر: استعادة ثقة المواطن في أن الدولة لا تحضر فقط بعد الكارثة… بل قبلها أيضًا.