سيدي سليمان… عودة حذرة بعد الفيضانات القاسية
بعد أيام بدت فيها السماء وكأنها لا تنوي الرحيل، يعود سكان إقليم سيدي سليمان إلى قراهم بخطى حذرة، محمّلين بذكريات مياه اجتاحت البيوت وقلقٍ لم يغادر القلوب بعد. السلطات المحلية أعلنت انطلاق عملية عودة تدريجية ومنظمة ابتداءً من الأحد 15 فبراير 2026، في محاولة لطيّ صفحة واحدة من أقسى موجات التقلبات المناخية التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة.
لم تكن العودة قراراً عاطفياً، بل خطوة محسوبة في دفتر إدارة الأزمات، حيث اختارت الدولة الانتقال من منطق الإجلاء الوقائي إلى منطق الاسترجاع الآمن، في مشهد يختبر جاهزية البنية اللوجستية وقدرة المؤسسات على إعادة الحياة إلى مجراها الطبيعي.
خطة محكمة.. لوجستيك الدولة في اختبار الميدان
الإدارة الترابية وضعت مخططاً عملياتياً متكاملاً: حافلات مخصصة لنقل العائدين، تحديد مسارات طرقية وُصفت بالآمنة، وتأطير ميداني لضمان وصول السكان إلى منازلهم دون تعريضهم لمخاطر إضافية. المرحلة الأولى تشمل جماعات قروية كانت في صدارة المناطق المتضررة، من بينها ‘أولاد حسين’ و‘عامر الشمالية’ و‘المساعدة’، إلى جانب دواوير عاشت أياماً ثقيلة تحت تهديد السيول.
في هذه القرى، لا تعني العودة فقط فتح الأبواب، بل مواجهة آثار الطين والرطوبة وخسائر المحاصيل، وإعادة ترتيب تفاصيل الحياة اليومية التي بعثرتها المياه.
نداء بالتريث.. السلامة قبل العاطفة
ورغم مشاعر الفرج التي رافقت الإعلان، شددت السلطات على ضرورة التريث بالنسبة للسكان غير المعنيين بالمرحلة الأولى. الرسالة كانت واضحة: لا عودة قبل التأكد الكامل من سلامة المسالك والبنيات الأساسية.
الإجراء قد يبدو صارماً للبعض، لكنه في ميزان إدارة المخاطر ضرورة قصوى. فالكارثة الطبيعية لا تنتهي بانحسار المياه فقط، بل تستمر في هشاشة الطرق، وتصدعات المنازل، ومخاطر غير مرئية قد تحصد أرواحاً إن تم التسرع.
نقاط تفتيش وتنظيم دقيق.. عودة بلا فوضى
لتفادي أي ارتباك، تقرر نصب نقاط مراقبة عند مداخل المناطق المعنية، للتحقق من هوية العائدين وتنظيم حركة السير. الهدف ليس التضييق، بل منع الفوضى وضمان أولوية العودة للمتضررين الفعليين، في ظل طرق قد لا تزال تعاني من آثار الأمطار.
المشهد يعكس انتقال الدولة من منطق الطوارئ إلى منطق التدبير المنظم لمرحلة ما بعد الكارثة، حيث تُختبر قدرة المؤسسات على التوفيق بين الأمن الإنساني والانسيابية الميدانية.
من الإجلاء إلى الاسترجاع.. درس في المقاربة الوقائية
قرار الإخلاء الذي سبق هذه العودة لم يكن ترفاً إدارياً، بل خطوة استباقية بعد أن بلغت مستويات المياه أرقاماً مقلقة هددت التجمعات السكنية. واليوم، تعكس العودة التدريجية استمرار المقاربة الوقائية نفسها: لا مغامرة، ولا اندفاع تحت ضغط العاطفة.
سيدي سليمان ليست فقط قصة فيضانات، بل مرآة لتحولات أعمق يفرضها تغير المناخ على السياسات العمومية. فكل موجة مطر استثنائية تضع سؤال الجاهزية على الطاولة: هل البنيات التحتية قادرة على الصمود؟ وهل خطط الطوارئ قابلة للتطوير؟
بين خوفٍ لم يندمل بعد وأملٍ في استعادة الاستقرار، تبدأ المنطقة فصلاً جديداً عنوانه: العودة بحذر… واليقظة الدائمة أمام زمن مناخي لم يعد يعترف بالمألوف.
