12.5 مليون مغربي تحت مظلة الدعم المباشر… هل ينجح الرهان الاجتماعي؟
في مشهد يعكس تحوّلًا عميقًا في فلسفة الدولة الاجتماعية، بات أكثر من 12.5 مليون مغربي، موزعين على نحو 3.9 مليون أسرة، ضمن شبكة برنامج الدعم الاجتماعي المباشر. ليست مجرد أرقام في بلاغ رسمي؛ إنها حكايات بيوت كانت على حافة الهشاشة، وأطفال يبحثون عن فرصة، ومسنين ينتظرون سندًا يحفظ كرامتهم.
البرنامج، وفق المعطيات الرسمية، يشمل 5.5 ملايين طفل و1.7 مليون شخص تتجاوز أعمارهم 60 سنة، بإعانات شهرية تتراوح بين 500 و1.350 درهم، مدعومة بمساهمات تكميلية تعزز الحماية الاجتماعية. لكن خلف هذه المبالغ يقف سؤال أعمق: هل ينجح المغرب في تحويل الدعم من إعانة ظرفية إلى رافعة تنموية مستدامة؟
من منطق الإحسان إلى منطق الاستهداف الدقيق
خلال اجتماع المجلس الإداري للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي في الرباط، قدّم رئيس الحكومة عزيز أخنوش قراءة سياسية واضحة: الانتقال من حلول مؤقتة إلى نظام مؤسساتي قائم على الاستهداف الدقيق وعدالة توزيع الموارد.
بهذا المعنى، لا يُراد للبرنامج أن يكون مجرد شبكة أمان اجتماعي، بل أداة لإعادة هندسة العلاقة بين الدولة والفئات الهشة، عبر آليات رقمية ومعايير دقيقة لتحديد المستحقين، بما يقلص هامش الخطأ ويحد من الهدر.
في ظل المشروع الملكي للحماية الاجتماعية
يتموضع الدعم الاجتماعي المباشر كإحدى الركائز المركزية في مشروع تعميم الحماية الاجتماعية الذي يشرف عليه الملك محمد السادس. المشروع، الذي يُعد من أكبر الأوراش الاجتماعية في تاريخ المغرب الحديث، يطمح إلى تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وضمان حد أدنى من الكرامة المعيشية.
الرؤية المعلنة تتجاوز الدعم النقدي، لتصل إلى إعادة صياغة منظومة الحماية بأكملها، من التأمين الصحي إلى التعويضات العائلية، في أفق بناء دولة اجتماعية أكثر تماسكًا وقدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية.
توسع أفقي ورهانات عمودية
المديرة العامة للوكالة عرضت حصيلة سنة 2025، مشيرة إلى توسيع نطاق المستفيدين، ورفع قيمة بعض الإعانات، وإطلاق برامج خاصة بالأطفال الأيتام والمهملين داخل مؤسسات الرعاية، فضلًا عن افتتاح تمثيلية ترابية بإقليم الجديدة لتعزيز القرب الإداري.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في ما هو أبعد من التوسّع العددي: كيف يمكن قياس الأثر الفعلي لهذا الدعم على نسب الفقر، والهدر المدرسي، والبطالة؟ وهل تتحول الإعانة إلى أداة تمكين اجتماعي، أم تبقى صمام أمان يمنع الانفجار دون أن يعالج الجذور؟
2026: نحو شراكات أوسع ومحاسبة أدق
مصادقة المجلس على خطة عمل 2026 تفتح الباب أمام مرحلة جديدة، قائمة على توقيع اتفاقيات شراكة مع قطاعات حكومية ومؤسسات وطنية ودولية، بهدف تطوير إدارة الدعم، وتشجيع تمدرس الأطفال، وتعزيز فرص التشغيل للفئات الهشة.
في الجوهر، يسعى المغرب إلى ربط الدعم الاجتماعي بمؤشرات أداء واضحة، وآليات تتبع دقيقة لقياس الأثر الاجتماعي والاقتصادي. إنها محاولة للانتقال من سياسة “توزيع المساعدات” إلى سياسة “صناعة الفرص”.
بين الطموح والاختبار
يبقى البرنامج اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على تحويل الموارد المالية إلى عدالة ملموسة يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته اليومية. فنجاحه لا يُقاس بعدد المستفيدين فقط، بل بمدى تقليص الفجوة بين المغربين: مغرب الفرص ومغرب الهشاشة.
في النهاية، الدعم الاجتماعي المباشر ليس مجرد سياسة عمومية؛ إنه رهان على الثقة. ثقة الأسر في أن الدولة حاضرة، وثقة الدولة في أن الاستثمار في الإنسان هو أقصر الطرق نحو الاستقرار والنمو.
