“هوليود إفريقيا”… الحلم الذي يقترب؛ في اللحظة التي تتوقف فيها الكاميرات عن التصوير ويعلن المخرج نهاية آخر مشهد من فيلم عالمي ضخم صُوّر بالمغرب، تبدأ رحلة أخرى لا يراها الجمهور.
فبينما تغادر فرق الإنتاج الأجنبية الأراضي المغربية، تغادر معها أيضاً أجزاء كبيرة من الميزانيات الضخمة المخصصة للأعمال السينمائية نحو مراكز التكنولوجيا والاستوديوهات المتطورة في الخارج.
وهنا يبرز سؤال استراتيجي مهم: هل يستطيع المغرب بناء مشروع هوليود إفريقيا والتحول من مجرد موقع تصوير إلى منصة إنتاج متكاملة؟
أرقام لا تكذب
لم تعد السينما مجرد فن وترفيه كما كان يُعتقد سابقاً، بل أصبحت صناعة ثقيلة تدر مليارات الدولارات سنوياً. ومع صعود منصات البث العالمية مثل نتفليكس وديزني وأمازون، ارتفع الطلب بشكل غير مسبوق على مواقع الإنتاج والتصوير.
ويستفيد المغرب منذ سنوات من موقعه الجغرافي الفريد وتنوعه الطبيعي الذي يسمح بتصوير مشاهد متنوعة بين الصحراء والجبال والمدن التاريخية في وقت وجيز، وهو ما جعله وجهة مفضلة للعديد من الإنتاجات العالمية.
مكسب مهم.. لكن غير كاف
صحيح أن تصوير الأفلام الأجنبية بالمغرب يساهم في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي عبر الفنادق والنقل والمطاعم وتشغيل مئات التقنيين والعاملين، إلا أن القيمة المالية الكبرى لا تتحقق خلال التصوير فقط.
فبعد انتهاء التصوير، تنتقل الأعمال إلى مرحلة ما بعد الإنتاج التي تشمل المونتاج وتصحيح الألوان والمؤثرات البصرية وهندسة الصوت، وهي المراحل التي تستحوذ على جزء مهم من الميزانيات العالمية. وهنا يفقد المغرب فرصة الاحتفاظ بجزء كبير من هذه الثروة داخل حدوده.
منافسة شرسة
الرهان على مشروع هوليود إفريقيا لم يعد حكراً على المغرب وحده. فجنوب إفريقيا استثمرت منذ سنوات في استوديوهات متطورة ومراكز للمؤثرات البصرية، ما جعلها تستقطب أعمالاً عالمية كاملة من البداية إلى النهاية.
كما دخلت دول الشرق الأوسط، وعلى رأسها السعودية والإمارات، بقوة إلى هذا المجال من خلال ضخ استثمارات ضخمة في المدن الإعلامية والبنية التحتية الحديثة، بهدف تنويع اقتصاداتها وجذب شركات الإنتاج العالمية.
3مفاتيح للحسم
يرى عدد من المتابعين أن نجاح مشروع هوليود إفريقيا بالمغرب يرتبط بثلاثة محاور أساسية.
أولها تطوير البنية التحتية عبر إنشاء استوديوهات من الجيل الجديد مجهزة بأحدث تقنيات التصوير والإنتاج الرقمي، بما يسمح بتنفيذ مختلف مراحل الإنتاج داخل المغرب.
أما المحور الثاني فيتمثل في الاستثمار المكثف في العنصر البشري من خلال تكوين جيل جديد من مهندسي المؤثرات البصرية وخبراء الصوت والمونتاج الرقمي، وهي تخصصات أصبحت تشكل العمود الفقري للصناعة السينمائية الحديثة.
في حين يرتبط المحور الثالث بالحوافز المالية والضريبية التي تشجع المنتجين العالميين على اختيار المغرب كوجهة رئيسية لأعمالهم.
فرصة تاريخية
خطوة المغرب برفع نسبة الدعم الموجه للإنتاجات الأجنبية إلى 30 في المائة من المصاريف المؤهلة شكلت إشارة قوية للأسواق العالمية، وأعادت المملكة إلى دائرة المنافسة بقوة.
لكن الخبراء يؤكدون أن النجاح الحقيقي لن يتحقق فقط باستقطاب الإنتاجات الأجنبية، بل ببناء منظومة متكاملة تجعل من المغرب مركزاً إقليمياً لصناعة الصورة والتكنولوجيا السينمائية.
تأثير مباشر على الاقتصاد الوطني
ولا يقتصر الرهان على مشروع هوليود إفريقيا على استقطاب شركات الإنتاج العالمية فقط، بل يمتد ليشمل خلق منظومة اقتصادية متكاملة قادرة على توفير آلاف فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة.
فكل إنتاج سينمائي ضخم يحتاج إلى تقنيين ومهندسين ومصممي ديكور وخبراء مؤثرات بصرية ومتخصصين في الصوت والإضاءة والنقل والإيواء والخدمات اللوجيستية.
كما أن تطور هذه الصناعة من شأنه تشجيع الاستثمارات الخاصة في مجالات التكنولوجيا الرقمية والتكوين المهني والإنتاج السمعي البصري.
ويرى خبراء الاقتصاد أن بناء صناعة سينمائية قوية يمكن أن يحول المغرب إلى قطب إقليمي لتصدير الخدمات الإبداعية نحو إفريقيا والشرق الأوسط، خاصة في ظل الطلب المتزايد على المحتوى الرقمي ومنصات البث العالمية التي تبحث باستمرار عن أسواق جديدة ومواهب قادرة على المنافسة الدولية.
أكثر من مجرد أفلام
لا يتعلق مشروع هوليود إفريقيا بالسينما فقط، بل بمنظومة اقتصادية كاملة قادرة على خلق آلاف مناصب الشغل وجلب العملة الصعبة وتعزيز صورة المغرب عالمياً.
وقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الصناعات الثقافية والإبداعية أصبحت من أهم أدوات القوة الناعمة، حيث تنعكس نجاحاتها مباشرة على السياحة والاستثمار والصادرات.
وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة، يبدو أن المغرب يمتلك اليوم فرصة حقيقية للانتقال من دور موقع التصوير الجميل إلى لاعب إقليمي مؤثر في صناعة السينما العالمية، شرط الاستثمار في التكنولوجيا والكفاءات والبنية التحتية الحديثة.
