عادت شركة سامير إلى صدارة النقاش الاقتصادي بالمغرب بعد قرار المحكمة التجارية بالدار البيضاء القاضي بتمديد الإذن باستمرار نشاطها لأربعة أشهر إضافية، رغم خضوعها للتصفية القضائية منذ سنة 2016.
ويأتي هذا التطور في سياق دولي يتسم باضطرابات متواصلة في أسواق النفط والطاقة، ما أعاد طرح التساؤلات حول مستقبل المصفاة الوحيدة لتكرير النفط بالمملكة ودورها في تعزيز الأمن الطاقي المغربي.
قرار جديد يعيد الملف إلى الواجهة
عاد ملف شركة سامير إلى صدارة النقاش الاقتصادي والطاقي بالمغرب، بعدما أصدرت المحكمة التجارية بالدار البيضاء قراراً يقضي بتجديد الإذن باستمرار نشاط الشركة لمدة أربعة أشهر إضافية، رغم خضوعها لمسطرة التصفية القضائية منذ سنة 2016.
ويأتي هذا القرار في ظرفية دولية حساسة تتسم باضطرابات متواصلة في أسواق النفط والطاقة بسبب التوترات الجيوسياسية والحروب الإقليمية، ما أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل المصفاة الوحيدة لتكرير النفط بالمملكة ومدى قدرة المغرب على تعزيز أمنه الطاقي في مواجهة الأزمات العالمية.
ووفق المعطيات الرسمية المنشورة على الموقع الرسمي لوزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة…
نزيف مستمر يهدد الثروة الوطنية
وترى النقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز أن استمرار الوضع الحالي يفاقم الخسائر الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بملف شركة سامير، محذرة من تواصل تدهور الوحدات الإنتاجية وضياع الخبرات والكفاءات الوطنية التي راكمتها المصفاة على مدى عقود.
وأكدت النقابة أن إعادة تشغيل المصفاة لم تعد مجرد مطلب مهني أو نقابي، بل أصبحت قضية ترتبط مباشرة بالمصلحة الوطنية والأمن الطاقي للمملكة، خاصة في ظل الارتفاع المتكرر لأسعار المحروقات واستمرار هيمنة الاستيراد على السوق الوطنية.
شركة سامير بين الأمن الطاقي وتقلبات الأسواق
في ظل الاضطرابات التي تعرفها أسواق النفط العالمية، يزداد الحديث عن أهمية شركة سامير في تعزيز الأمن الطاقي بالمغرب. ويرى عدد من الخبراء أن عودة شركة سامير إلى نشاطها الطبيعي يمكن أن تساهم في تقوية المخزون الوطني من المحروقات وتقليص التأثير المباشر لتقلبات الأسعار الدولية على السوق المغربية.
طالمحكمة تبعث رسالة أمل
بحسب متابعين للملف، فإن استمرار المحكمة التجارية في تجديد الإذن باستمرار النشاط يعكس وجود إرادة للحفاظ على أصول الشركة وعدم الذهاب نحو خيار التصفية النهائية.
ويعتبر هذا الإجراء القانوني بمثابة رسالة واضحة للمستثمرين المحتملين، مفادها أن أبواب إنقاذ شركة سامير ما تزال مفتوحة، وأن إمكانية بيعها كوحدة صناعية متكاملة لا تزال قائمة، مع الحفاظ على حقوق العمال واستمرارية النشاط الاقتصادي المرتبط بها.
التحكيم الدولي.. العقدة الكبرى
ورغم مرور عشر سنوات على بداية الأزمة، ما يزال ملف بيع شركة سامير يصطدم بعقبة رئيسية تتمثل في النزاع المعروض على التحكيم الدولي بين الدولة المغربية والمستثمر السعودي السابق.
ويشكل هذا الملف أحد أبرز أسباب تعثر إيجاد مستثمر جديد، إذ تتحفظ الجهات الرسمية على تقديم ضمانات أو التزامات طويلة الأمد قبل صدور الحكم النهائي، تفادياً لأي تعقيدات قانونية أو مالية قد تنشأ مستقبلاً.
ويرى مراقبون أن الحسم في هذا النزاع قد يشكل نقطة تحول حاسمة في مستقبل المصفاة، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستثمار وإعادة التشغيل.
الأمن الطاقي في قلب المعركة
تكتسي شركة سامير أهمية استراتيجية خاصة بالنظر إلى حجم الطلب الوطني على المواد البترولية المكررة، حيث يستهلك المغرب سنوياً ما بين 12 و13 مليون طن من المنتجات النفطية.
ويؤكد خبراء أن عودة المصفاة إلى العمل من شأنها تقليص الاعتماد المفرط على الاستيراد الخارجي، وتعزيز المخزون الوطني من المحروقات، إضافة إلى تقوية قدرة المملكة على مواجهة التقلبات المفاجئة في الأسواق الدولية.
كما أن وجود قدرة وطنية على التكرير يمنح المغرب هامشاً أكبر من الاستقلالية في تدبير أزماته الطاقية، خاصة خلال فترات التوترات الجيوسياسية التي تؤثر بشكل مباشر على سلاسل التوريد العالمية.
آلاف مناصب الشغل على المحك
لا يقتصر تأثير شركة سامير على الجانب الطاقي فقط، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي والاقتصادي، حيث يقدر عدد مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بها بحوالي 4500 منصب.
ويرى المدافعون عن إعادة تشغيل المصفاة أن إحيائها سيساهم في الحفاظ على الخبرات الوطنية وخلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد المغربي، بدل تصدير أرباح عمليات التكرير إلى الخارج.
كما أن عودة المنافسة إلى سوق المحروقات قد تشكل عاملاً إضافياً يساعد على تحسين شروط السوق والحد من الضغوط السعرية التي يتحملها المستهلك المغربي.
بين التكرير والطاقات المتجددة
في المقابل، يعتبر عدد من الخبراء أن مستقبل الطاقة بالمغرب لا يمكن أن يبقى رهيناً فقط بمصير شركة سامير، خاصة أن المملكة اختارت منذ سنوات التوجه نحو الطاقات المتجددة كخيار استراتيجي طويل المدى.
ويطمح المغرب إلى رفع مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء إلى 52 في المائة بحلول سنة 2030، بالتوازي مع التزاماته الدولية الرامية إلى تقليص انبعاثات الغازات الدفيئة.
غير أن هذا التوجه لا يلغي، بحسب المختصين، أهمية التوفر على بنية وطنية للتكرير والتخزين، خصوصاً في فترات الأزمات والحروب التي تضع الأمن الطاقي للدول أمام اختبارات حقيقية.
هل تقترب ساعة الحسم؟
بعد عشر سنوات من الانتظار، يبدو أن ملف شركة سامير يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم. فبين رهانات الأمن الطاقي ومتطلبات التحول نحو الطاقات النظيفة، يظل السؤال مطروحاً بقوة: هل ينجح المغرب في إعادة إحياء المصفاة الوحيدة لتكرير النفط، أم أن صفحة سامير ستطوى نهائياً بعد سنوات طويلة من الجدل؟
الجواب قد تحمله الأشهر المقبلة، لكن المؤكد أن مستقبل شركة سامير لم يعد مجرد قضية اقتصادية، بل تحول إلى ملف استراتيجي يرتبط مباشرة بالأمن الطاقي والسيادة الاقتصادية للمملكة.
