في الرباط… إعلان نهاية “زمن الجزر المعزولة”
من قلب الرباط، اختارت الدولة أن توجه رسالة سياسية قبل أن تكون تقنية: لا مكان بعد اليوم لوزارات تشتغل في عزلة، ولا لبرامج تتقاطع دون أن تلتقي. وزارة الاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية رفعت الستار عن “الإطار المرجعي الوطني لالتقائية السياسات العمومية”، في خطوة تُقدَّم باعتبارها محاولة لإعادة هندسة طريقة اشتغال الإدارة المغربية من الداخل.
المشروع لا يُسوَّق كوثيقة إضافية تُضاف إلى رفوف الأرشيف الإداري، بل كأداة لإعادة ضبط بوصلة القرار العمومي، حيث تصبح النجاعة معياراً، والأثر على المواطن اختباراً حقيقياً لكل سياسة.
حكامة تحت المجهر… من التنسيق الشكلي إلى الالتقائية الصارمة
في كلمته، شدد الوزير المنتدب كريم زيدان على أن الإطار الجديد ليس قيداً بيروقراطياً، بل “لغة مشتركة” بين القطاعات. خلف هذا التعبير تكمن إشارة واضحة إلى خلل مزمن: تضارب البرامج، تكرار المبادرات، وهدر الموارد في غياب رؤية مندمجة.
الخطاب الرسمي استحضر التوجيهات الملكية، مؤكداً أن الرهان هو إرساء حكامة عصرية قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها المغرب إقليمياً ودولياً. لكن الرهان الحقيقي يتجاوز البلاغة السياسية: هل تستطيع الإدارة، بثقلها وتعقيدها، أن تتحول من منطق الدفاع عن الاختصاص إلى منطق تقاسم المسؤولية؟
تشخيص بلا مجاملات… اعتراف ضمني بأعطاب الماضي
إبراهيم بنموسى، الكاتب العام للوزارة، كشف أن إعداد الإطار استند إلى تشخيص دقيق لواقع “الالتقائية” في المغرب، بمشاركة مختلف القطاعات وبتنسيق مع المندوبية السامية للتخطيط.
هذا الاعتراف بوجود اختلالات ليس تفصيلاً عابراً، بل إقرار بأن جزءاً من بطء الإنجاز التنموي كان سببه غياب التنسيق الفعلي.التداخل بين البرامج لم يكن مجرد خطأ تقني، بل كان يُنتج كلفة سياسية واجتماعية يدفع ثمنها المواطن، حين تتأخر المشاريع أو تتعثر بسبب تضارب الرؤى والاختصاصات.
الموارد تحت ضغط الأولويات… من التشتت إلى التركيز
الإطار الجديد يَعِدُ بآليات مشتركة للتتبع والتقييم، وبإعادة توجيه الموارد المالية والبشرية نحو الأولويات الوطنية الكبرى. في بلد يواجه تحديات اقتصادية ومناخية واجتماعية متزايدة، لم يعد مقبولاً أن تُهدر الطاقات في ازدواجية البرامج أو في سباق صامت بين القطاعات.
التحول المعلن يعني أن التنسيق لن يكون خياراً أخلاقياً أو توصية إدارية، بل “قاعدة ذهبية” ملزمة، يفترض أن تُترجم الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة في حياة المواطن اليومية.
ما بعد الإعلان… اختبار التنفيذ لا اختبار النوايا
الإطار المرجعي قد يشكل لحظة مفصلية في مسار تحديث الدولة، لكنه يظل رهيناً بقدرته على تجاوز منطق الإعلان إلى منطق التطبيق. فالتاريخ الإداري المغربي مليء بوثائق واعدة لم تُترجم دائماً إلى أثر ملموس.
التحدي اليوم ليس في صياغة الرؤية، بل في فرض ثقافة مؤسساتية جديدة تجعل من الالتقائية سلوكاً يومياً داخل الإدارة، لا مجرد شعار إصلاحي. عندها فقط يمكن القول إن المغرب انتقل فعلاً من حكامة مجزأة إلى دولة تشتغل كجسد واحد، بقرار موحد وأثر عادل يصل إلى كل مواطن.
